الشيخ السبحاني

82

بحوث في الملل والنحل

شيء آثرتموه وعملتم له من الدنيا ليس بخَلَف ممّا زيّن اللَّه به العلماء من عباده الحافظين لرعاية ما استرعاهم واستحفظهم من أمره ونهيه ، ذلك بأنّ العاقبة للمتقين ، والحسرة والندامة والويل الدائم للجائرين الفاجرين . [ الاعتبار من الأُمم السابقة ] فتفكّروا عباد اللَّه واعتبروا ، وانظروا وتدبّروا وازدجروا بما وعظ اللَّه به هذه الأُمّة من سوء ثنائه على الأحبار والرهبان . إذ يقول : « لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ » « 1 » . وإنّما عاب ذلك عليهم بأنّهم كانوا يشاهدون الظلمة الذين كانوا بين ظهرانيهم يأمرون بالمنكر ، ويعملون الفساد فلا ينهونهم عن ذلك ، ويرون حقّ اللَّه مضيعاً ، ومال اللَّه دُولة يؤكل بينهم ظلماً ودولة بين الأغنياء ، فلا يمنعون من ذلك رغبة فيما عندهم من العَرَض الآفل ، والمنزل الزائل ، ومداهنة « 2 » منهم على أنفسهم . وقد قال اللَّه عزّ وجلّ لكم : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ » « 3 » كيما تحذروا . وإذا رأيتم العالم بهذه الحالة والمنزلة فأنزلوه منزلة من عاث في أموال الناس بالمصانعة « 4 » ، والمداهنة ، والمضارعة « 5 » لظلمة أهل زمانهم ، وأكابر قومهم ، فلم

--> ( 1 ) . المائدة : 63 . ( 2 ) . المداهنة : المداراة والملاينة ، وداهن على نفسه أبقى عليها . ( 3 ) . التوبة : 34 . ( 4 ) . المصانعة : الرشوة والمداراة . ( 5 ) . المضارعة : التقرب والمقارنة .